فصل: تفسير الآيات (37- 38):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآيات (14- 16):

{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)}
{قَالُواْ ياويلنآ} الآية اعتراف وندم حين لم ينفعهم {حَصِيداً خَامِدِينَ} شبهوا في هلاكهم بالزرع المحصود ومعنى {خَامِدِينَ}: موتى وهو تشبيه بخمود النار {لاَعِبِينَ} حال منفية أي ما خلقنا السموات والأرض لأجل اللعب بل للاعتبار بها، والاستدلال على صنعها.

.تفسير الآيات (17- 21):

{لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}
{لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل المرأة، و{مِن لَّدُنَّآ}: أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ ولداً لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردّ على من قال: إن المسيح ابن الله وعزيز ابن الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لا عبين.
وقال الزمخشري: المعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ لهواً لكان ذلك في قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض للحكمة، وفي كلا القولين نظر {إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما قبلها، أو نافية، والأوّل أظهر {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل} {الحق} عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، {الباطل} عام في أضداد ذلك {فَيَدْمَغُهُ} أي يقمعه ويبطله، وأصله من إصابة الدماغ {وَمَنْ عِنْدَهُ} يعني الملائكة {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} أي لا يَعْيَوْن ولا يملون {أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ} أم هنا للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما بعدها {مِّنَ الأرض} يتعلق بينشرون؛ والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ لأن من صفة الإلهة القدرة على الإحياء والإماتة.

.تفسير الآيات (22- 24):

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)}
{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} هذا برهان على وحدانية الله تعالى، والضمير في قوله: {فِيهِمَآ} للسموات والأرض، {إِلاَّ الله} صفة لآلهة، و{إِلاَّ} بمعنى غير، فاقتضى الكلام أمرين: أحدهما نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحداً، والأمر الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودل على ذلك قوله: {إِلاَّ الله}، وأما الأوّل فكانت الآية تدل عليه لو لم تذكر هذه الكلمة، وقال ابن كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليل على التمانع الذي أورده الأصوليون، وذلك أنا لو فرضنا إليهن، فأراد أحدهما شيئاً وأراد الآخر نقيضه، فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما، وذلك محال؛ لأن النقيضين لا يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدة منهما، وذلك أيضاً محال، لأن النقيضين لا يرتفعان معاً، ولأن ذلك يؤدّي إلى عجزهما وقصورهما، فلا يكونان إليهن، وإما أن ينفذ أرادة واحدة منهما دون الآخر، فالذي تنفذ إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله واحد. وهذا الدليل إن سلمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ استدلال آخر أصح من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان لمدينة واحدة، ولا ولّيان لخطة واحدة {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} لأنه مالك كل شيء، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولأنه حكيم، فأفعاله كلها جارية على الحكمة {وَهُمْ يُسْأَلُونَ} لفقد العلتين {أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً} كرر هذا الإنكار استعظاماً للشرك، ومبالغة في تقبيحه، لأن قبله من صفات الله ما يوجب توحيده، وليناط به ما ذكر بعده من تعجيز المشركين، وأنهم ليس لهم على الشرك برهان؛ لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرع.
{هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} تعجيز لهم وقد تكلمنا على هاتوا في [البقرة: 111] {هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} ردّ على المشركين والمعنى هذا الكتاب الذي معي، والكتب التي من قبلي ليس فيهما ما يقتضي الإشراك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد.

.تفسير الآيات (25- 28):

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}
{وَمَآ أَرْسَلْنَا} الآية: ردّ على المشركين، والمعنى أن كل رسول إنما أتى بلا إله إلا الله {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} يعني الملائكة، وهم الذي قال فيهم بعض الكفار أنهم بنات الله، فوصفهم بالعبودية لأنها تناقض النبوّة، ووصفهم بالكرامة، لأن ذلك هو الذي غر الكفار حتى قالوا فيهم ما قالوا: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول} أي لا يتكلمون حتى يتكلم هو تأدباً معه {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} أي لمن ارتضى أن يشفع له، ويحتمل أن تكون هذه الشفاعة في الآخرة أو في الدنيا، وهي استغفارهم لمن في الأرض {مُشْفِقُونَ} أي خائفون.

.تفسير الآية رقم (29):

{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)}
{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونه، وإنما مقصد الآية الردّ على المشركين وقيل: إن الذي قال: إني إله هو إبليس لعنه الله.

.تفسير الآيات (30- 31):

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}
{كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} الرتق مصدر وصف به، ومعناه الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح، والفتق: الفتح فقيل: كانت السموات ملصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء، وقيل كانت السموات ملتصقة بعضها ببعض، والأرضون كذلك ففتقهما الله سبعاً سبعاً، والرؤية في قوله: {أَوَلَمْ يَرَ} على هذه رؤية قلب، وقيل: فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، فالرؤية على هذه رؤية عين.
{وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أي خلقنا من الماء كل حيوان، ويعني بالماء المنيّ. وقيل: الماء الذي يشرب لأنه سبب لحياة الحيوان، ويدخل في ذلك النبات باستعارة {رَوَاسِيَ} يعني الجبال {أَن تَمِيدَ} تقديره كراهية أن تميد {فِجَاجاً} يعني الطرق الكبار، وإعرابه عند الزمخشري حال من السبل، لأنه صفة تقدّمت على النكرة {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} يعني في طريقهم وتصرفاتهم.

.تفسير الآيات (32- 33):

{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)}
{سَقْفاً مَّحْفُوظاً} أي حفظ من السقوط ومن الشياطين {عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} يعني الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} التنوين في {كُلٌّ} عوض عن الإضافة أي: كلهم في فلك يسبحون يعني؛ الشمس والقمر، دون الليل والنهار، إذ لا يوصف الليل والنهار بالسبح في الفلك فالجملة في موضع حال من الشمس والقمر أو مستأنفاً، فإن قيل: لفظ كلّ ويسبحون جمع، فكيف يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟ فالجواب: أنه أراد جنس مطالعها كل يوم وليلة، وهي كثيرة قاله الزمخشري وقال القزنوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة، وعبر عنهما بضمير الجماعة العقلاء في قوله: {يَسْبَحُونَ}، لأنه وصفهم بفعل العقلاء وهو السبح، فإن قيل: كيف قال في فلك، وهي أفلاك كثيرة؟ فالجواب أنه أراد كل واحد يسبح في فلكه، وذلك كقولهم: كساهم الأمير حلة أي كسا كل واحد منهم حلة، ومعنى الفلك جسم مستدير، وقال بعض المفسرين: إنه من موج، وذلك بعيد، والحق أنه لا يُعلم صفته وكيفيته إلا بإخبار صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود، ومعنى يسبحون يجرون، أو يدورون، وهو مستعار من السبح بمعنى العوم في الماء، وقوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} من المقلوب الذي يقرأ من الطرفين.

.تفسير الآية رقم (34):

{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)}
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد} سببها أن الكفار طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بشر يموت، وقيل: إنهم تمنوا موته ليشتموا به، وهذا أنسب لما بعده {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} موضع دخول الهمزة فهم الخالدون وتقدمت لأن الاستفهام له صدر الكلام.

.تفسير الآية رقم (35):

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}
{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت} أي كل نفس مخلوقة لابد لها أن تذوق الموت، والذوق هنا استعارة {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير} أي نختبركم بالفقر والغنى والصحة والمرض وغير ذلك من أحوال الدنيا، ليظهر الصبر على الشر والشكر على الخير، أو خلاف ذلك {فِتْنَةً} مصدر من معنى نبلوكم.

.تفسير الآية رقم (36):

{وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)}
{أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أي يذكرهم بالذم دلت على ذلك قرينة الحالن فإن الذكر قد يكون بذمّ أو مدح، والجملة تفسير للهزء أي يقولون: أهذا الذي {وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ} الجملة في موضع الحال أي كيف ينكرون ذمّك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحق بالملامة، وقيل: معنى بذكر الرحمن تسميته بهذا الاسم، لأنهم أنكروها، والأول أغرق في ضلالهم.

.تفسير الآيات (37- 38):

{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)}
{خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ} خلق شديد الاستعجال وجاءت هذه العبارة للمبالغة: كقولهم خلق حاتم من جود، والإنسان هنا جنس، وسبب الآية: أن الكفار استعجلوا الآيات التي اقترحوها والعذاب الذي طلبوه، فذكر الله هذا توطئة لقوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}، وقيل: المراد هنا آدم، لأنه لما وصلت الروح إلى صدره أراد أن يقوم. وهذا ضعيف، وقيل {مِنْ عَجَلٍ}: أي من طين، وهذا أضعف {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي} وعيد وجواب على ما طلبوه من التعجيل {وَيَقُولُونَ} الآية: تفسير لاستعجالهم {الوعد} القيامة وقيل: نزول العذاب بهم.

.تفسير الآيات (39- 41):

{لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)}
{لَوْ يَعْلَمُ} جواب لو محذوف {حِينَ} مفعول به ليعلموا: أي لو يعلمون الوقت الذي يحيط بهم العذاب لآمنوا وما استعجلوا {بَلْ تَأْتِيهِم} الضمير الفاعل للنار، وقيل للساعة {تَبْهَتُهُمْ} أي تفجؤهم {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤخرون عن العذاب {وَلَقَدِ استهزىء} الآية تسلية بالتأسي {فَحَاقَ} أي أحاط.

.تفسير الآية رقم (42):

{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42)}
{مَن يَكْلَؤُكُم} أي من يحفظكم من أمر الله، ومن استفهامية، والمعنى تهديد، وإقامة حجة، لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم مانع ولا حافظ، ثم جاء قوله: {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} بمعنى أنهم إذا سئلوا عن ذلك السؤال لم يجيبوا عنه لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله: أي عن الجواب الذي فيه ذكر الله، وقال الزمخشري: معنى الإضراب هنا أنهم معرضون عن ذكره، فضلاً عن أن يخافوا بأسه.

.تفسير الآية رقم (43):

{أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)}
{أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا} أي تمنعهم من العذاب، وأم هنا للاستفهام، والمعنى الانكار والنفي، وذلك أنه لما سألهم عمن يكلؤهم: أخبر بعد ذلك أن آلهتهم لا تمنعهم ولا تحفظهم ثم احتج عن ذلك بقوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ}، فإن من لا ينصر نفسه أولى أن لا ينصر غيره {وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ} الضمير للكفار: أي لا يصحبون منا بنصر ولا حفظ.

.تفسير الآيات (44- 48):

{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48)}
{بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء} أي متعناهم بالنعم والعافية في الدنيا، فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله، والإضراب ببل عن معنى الكلام المتقدم: أي لم يحملهم على الكفر والاستهزاء نصر ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متعناهم وآباءهم.
{نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ} ذكر في [الرعد: 43] {وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء} إشارة إلى الكفار، والصم استعارة في إفراط إعراضهم {نَفْحَةٌ} أي خطرة وفيها تقليل العذاب، والمعنى أنهم لو رأوا أقل شيء من عذاب الله لأذعنوا واعترفروا بذنوبهم {وَنَضَعُ الموازين القسط} أي العدل، وإنما أفرد القسط وهو صفة للجمع، لأنه مصدر وصف به كالعدل والرضا، وعلى تقدير ذوات القسط، ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة، له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال، والخفة والثقل متعلقة بالأجسام، وإما صحف الأعمال، أو ما شاء الله، وقالت: المعتزلة: إن الميزان عبارة عن العدل، في الجزاء {لِيَوْمِ القيامة}، وقال ابن عطية تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لحكمة، فهو على حذف مضاف وقال الزمخشري: هو كقولك كتبت الكتاب لست خلون من الشعر {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} أي وزنها والرفع على أن كان تامة، والنصب على أها ناقصة واسمها مضمر {الفرقان} هنا التوراة، وقل التفرقة بين الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة.

.تفسير الآيات (50- 53):

{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)}
{وهذا ذِكْرٌ} يعني القرآن {رُشْدَهُ} أي إرشاده إلى توحيد الله وكسر الأصنام وغير ذلك {مِن قَبْلُ} أي قبل موسى وهارون، وقيل آتيناه رشده قبل النبوة {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي علمناه أنه يستحق ذلك {التماثيل} يعني الأصنام وكانت على صور بني آدم {وَجَدْنَآ آبَآءَنَا} اعتراف بالتقليد من غير دليل.